المقال الثابث

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ،

[  1  ] مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان ،

وعلوم الدين الأساسية ثلاثة ، هي الفقه والعقيدة والتصوف ،  

( الفقه ) يتناول مرتبة الإسلام ( الأعمال الظاهرة من عبادات ومعاملات ) ،

و ( العقيدة ) تتناول مرتبة الإيمان ( مرتبة الاعتقادات الباطنة ) ،

و ( التصوف ) يتناول مرتبة الإحسان ( مرتبة التربية والتزكية والتخلية والتحلية ومرتبة الأحوال والمنازل والمعارف الربانية ) ، 

وقد أكرم الله تعالى أهل السنة والجماعة سواد أهل القبلة الأعظم في عمق التاريخ العلمي الإسلامي الطويل بالتخصص المذهبي في تلك العلوم الثلاث : العقيدة والفقه والتزكية ،   ويمثل الإطار المذهبي الرصين لأهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مذاهب لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ،

وهي ( المذهب الأثري ) ، ( والمذهب الأشعري ) ، ( والمذهب الماتريدي ) ،  

ويمثل الإطار المذهبي الرصين لأهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة لا خامس لها إلا الشذوذ الفقهي ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، ويمثل الإطار المذهبي الرصين لأهل السنة والجماعة في التزكية ، علوم ومعارف أهل التصوف ، المتخصصين في التربية والتزكية والسلوك والأخلاق ، وهذا الإطار العلمي المذهبي الدقيق لأهل السنة والجماعة ، ويدخل فيه سواد المسلمين الأعظم ، ممن لم يتلبس ببدعة مخرجة عن هذا الإطار ، وهذا الموقع رابطة لكل من يحترم هذا التخصص المذهبي بعيدا عن بدع الخروج والتشيع والاعتزال والحشو والإرجاء والتجهم ، وليس معنى ذلك العصمة لهذه المذاهب ، فإن الله تعالى أبى العصمة إلا لنبيه صلى الله عليه سلم ، ولكنها أبعد عن الأخطاء الجسيمة التي تؤول إلى البدع الضالة ،

[  2  ] لماذا التخصص المذهبي ؟ إن عدم احترام التخصص يؤول بالأمة إلى الفوضى العلمية والتبديع والتضليل وضياع الأسس العلمية التي قام عليها الصرح العلمي لأهل السنّة والجماعة ، والله تعالى يقول : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، ويقول تعالى  : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ، أي أهل العلم الذاكرين له المتخصصين فيه ، وإنّ دعوى الأخذ المباشر من الكتاب والسنّة مباشرة دون العروج على أقوال أهل العلم المتخصصين في العلم ، هي دعوى حق ولكن ليست لكل من هب ودب ،

إنها دعوى حق في حق من يمتلك أدوات الاجتهاد في مجال تخصصه ، إنّ الشر كل الشر في ان يصبح الإفتاء في الدين كلأً مباحًا لكل من أراد من غير المختصين ، وأن تتم محاربة المتخصصين بدعوى الأخذ من الكتاب والسنّة مباشرة ، فإنها كلمة حق مآلها إلى الباطل ، تشبه إلى حد كبير مقولة الخوارج : إن الحكم إلا لله ، وهي كلمة حق ولكن لابد من وجود من يحكم بما أنزل الله ، وهاهنا لابد من وجود المجتهد المتخصص الذي يستنبط من الكتاب والسنة ، والمذاهب هي مراكز جماعية متخصصة لها القدرة على الاجتهاد ، إنّ احترام التخصص العلمي والرد في علوم الدين إلى تلك المذاهب ضرورة علمية  ، وذلك لقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، وواجب تحتمه تقوى الله تعالى لأنّ الذي يخاف الله تعالى لا يسأل إلا أهل العلم المتخصصين فيه خوف الخطأ ، وواجب يحتمه العقل السديد ، لأنّه قد جرت العادة أنّ الناس لا يسألون إلا أهل الخبرة والتخصص ، وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه ، ومظانه عند أهل التخصص فيه ، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث ، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه ، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة ، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها ، وهكذا ، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص ، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه ، إنّ دعوى البعض بطلب العلم من ادلة الكتاب والسنة ، دون تقيد بالمذاهب الإسلامية المؤصلة تنكب عن طريق العلماء وعودة بالعلم إلى الوراء ، وهل سيبلغ في تخصص تلك المذاهب معشار احداها ، ، إننا بهذه الدعوة الجوفاء نهدم مذاهب معروفة متخصصة مؤصلة من أجل بناء مئات المذاهب الغير مؤصلة ، وينفرط عقد العلم ، ويتشدد من أراد التشدد ويتساهل من أراد الترخص ، ويتغول على الامة كل من قرأ عدة آيات وعدة أحاديث يفهمها بفهمه القاصر وجهله المركب ، ولا حسيب عليه ، لقد كان وراء بناء المذاهب العلمية المتخصصة على مر عصور الإسلام ألف حسيب وحسيب ، يضبطون الأقوال ويراجعونها حتى لا يشذ عنها إلا ما لا طاقة للبشر من رده لأنّ الله تعالى كتب العصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأبى العصمة لغيره من علماء الأمة ومجتهديها ، 

[  3  ] لقد كادت الامة الإسلامية أن تسلم لها مرجعيتها العلمية متمثلة في احترام المذاهب العلمية المؤصلة والاجتهاد من خلالها وخلال قواعدها الربانية العلمية السديدة ، حتى جاء ابن تيمية ، فتفرغ لإعادة صياغة مفاهيم الدين كلها بناء على ثقته بنفسه لا على جهود العلماء قبله ، ونسي أن علوم الدين أوسع من الأفراد ، وأن من تكلم في كل العلوم فهو لا يدرك دقائق أي علم منها لأنها أوسع من إدراك أحدهم ، وهذا سبب تخصص العلماء فمنهم الفقهاء ومنهم الاصوليون ومنهم المحدثون وهكذا ، غاب عن ابن تيمية ذلك فتفرغ لإعادة صياغة مفاهيم الدين كلها وفق فهمه ، فرسم لأهل السنة والجماعة إطارا مغايرا للحقيقة ،  لقد ذهل ابن تيمية ذهولاً  شديداً عن علم التقديس ( قسم توحيد الذات ) ، ولم يستطع هضمه  ، ولا معرفة قواعده فآل به ذلك إلى عداوة قلبية للسادة الأشاعرة حماة العقيدة والمؤصلين بحق لكل أبوابها على منهاج أهل السنّة والجماعة  ، وأدت تلك العداوة إلى الانتقاص من قدرهم بمناسبة وغير مناسبة  ، كما أنّها سببت خللاً عميقاً عنده عند الحديث عن اهل السنّة والجماعة وأهم صفاتهم وأهم أعلامهم  ، فأدخل الحشوية  في إطار أهل السنّة  ، وأثنى على مؤلفاتهم  ، وفي المقابل صال وجال على علماء الأثرية والأشاعرة المتخصصين في العقيدة دون أن يفهم منطلقاتهم التي استقوها من الكتاب والسنّة  ، والتي أجبرتهم على تبني هذا المذهب في شتى أبواب علم العقيدة  ،

كما أنّه ذهل عن حمل المتشابه على المحكم في أبواب الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة  ، كما يفعل المتخصصون  ، فصال وجال في باب الاسماء والاحكام   بأخطاء آلت بمتبعيه إلى الغلو في جميع تلك الأبواب ، لم يستطع تحديد دائرة المتشابه الصحيحة بدقه بسبب ذهوله عن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي لم يدرسها على يد متخصص ولم يستطع أن يفهمها بمفرده حتى سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين  ،  كما أنه نسب إلى السلف مذهب إثبات المعنى عموماً  ، وقد كان هذا مذهبهم حقاً إلا في المتشابهات فقد كان مذهبهم تفويض المعنى  ، وليس اثباته لأنّ المتشابه ليس له معنى فيدرك ، ولو كان له معنى محدد لما كان متشابها  ، ثم لم يكتف بذلك حتى جعل مذهب التفويض – وهو لا يدرك أنه مذهب السلف الحقيقي – من شر مذاهب الفرق الضالة   ،  كما شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض  وقد دعا به النبي للحبر ،  وبسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة والسنّة منهم براء   ،  كما تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله  ، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة  ،  كما صرح بقيام الحوادث بذات الله تعالى  وهي من ابشع أخطائه ، ومن العجب ذهوله في ذلك عن حجة الخليل إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان من احتجاجه بقيام الحوادث بالقمر والكوكب والشمس على عدم ألوهيتها ، وبقيام دلائل الحدوث بهم والتحول من حال إلى حال ، كما وصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيين بأنهم أهل التجهيل  ،

وأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة لعلم المتشابه  ، لم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول  ، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره  ، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب  ، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة  ، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير  ،  ولم يضبط مسائل التوحيد والشرك على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في اتهام المسلمين بالشرك  في أعمال لا تبلغ هذا المبلغ ،  ولم يضبط مسائل البدعة والسنّة على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في التبديع  ، كما أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف  ، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله  ، وهو لا يدرك أسباب استحالتها  ، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه  ، والتوجيه لحمل الآيات والأحاديث على المعنى والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث  ، فإن حديث النزول ليس الهدف منه الحركة والنزول من علو إلى سفل  ،

ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء  ، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات  ، والذي هو مذهب السلف الصحيح  ، والذي ليس لهم مذهب سواه  ، وهاجم الأثرية أتباع السلف وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع   ، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي ، ويرفض حملها على المجاز ، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث  ، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم  ، والعالم المخلوق تحته  ،  وهو موجود على عرشه  ، وأنه متناه من جهة تحت  ، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء   ، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته  ،  وعلى هذا المذهب فإنّه سبحانه يبقى نازلاً أبداً  ، لأنّ ثلث الليل لا ينقطع عن الارض لحظه واحدة بل يدور في أجزاء الأرض بدورانها  ، كما دلت الدراسات الجغرافية  ، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات  ، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية  ، كما دندن حول الجسمية والتجسيم  ، وهو لا يرى في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في قول أحد من السلف ما يمنع أن يكون الله جسماً  ، مع أنّ إجماع أهل الأصول ممن يؤخذ بقولهم في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية ومعاني الجسمية  ، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث وقبول الحوادث ، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد  ، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب  ، أنّه لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة ، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً  ، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة  ،  شن الحروب التي لا داعي لها – بين الحين والآخر – على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة ، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع ، وقام أصحابهم على ضبط أقوالهم ، وصقلت مدارسهم الفقهية  على مر عصور الإسلام  كل ما يتعلق بالفقه ومسائله ، فأيهما أجدى البناء على ما بناه أولئك الاكابر فيرتفع البناء عاليا ، أم هدمه والتشكيك فيه ، مع استحالة إتقان ما أتقنوه ،

واستيعاب ما استوعبوه ، وبناء ما بنوه ،  كما شن الحروب على التصوف برمته ، صالحه وطالحه ، مع أنه لم يتخصص في تطهير الباطن وبيان المنازل إلى الله تعالى سوى هؤلاء ، ومع أنه قد مرت عصور كاملة ، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية ، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله ، فهل جميع أولئك على ضلالة ، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك ، والإنصاف هو اعتماد الصحيح من مناهج أكابرهم في التزكية ، مع إصلاح الأخطاء التي يكون منشؤها من الجهل أو الخرافة ،    

[ 4 ] لا يصح بعد تلك المخالفات والمجازفات : أن يعتبر مذهب هؤلاء هو الممثل والمتحدث الرسمي الصحيح عن الدين واهله ، وعن السلفية والسلف ، وعن العقيدة المنجية وأصولها ، وعن الفقه وأدلته ، وعن التزكية وأسرارها ، إن الفرق الجوهري بين مدارس المتخصصين في علوم الإسلام ، وبين مدرسة ابن تيمية العلمية ، أنّ مدارس المتخصصين في علوم الإسلام  ، سواء في العقيدة أو الفقه أو التزكية  ، أنّ كل واحدة منها تخصص في علم معين ، ثم كان التمحيص والتأصيل والتهذيب في النور على أيدي مئات إن لم يكن آلاف المتخصصين المنتسبين إلى تلك المدارس ، فصنعت في النور ، وهذبت في النور ، وانتشرت في النور ، فكانت في مأمن من الخطأ الكبير والخلل الجسيم ، وها هي مدارس العقيدة : الأثرية والأشعرية والماتريدية ملئت الأرض نوراً وانتسب إليها على مر العصور أكابر العلماء ، وأساطين أهل العلم ، وها هي مدارس الفقه عمت أرجاء الأرض وانتسب إليها سواد أهل السنّة والجماعة ، وهكذا مدارس التربية والتزكية التي نشرت الإسلام شمالا وجنوبا وشرقا وغربا ،

أمّا مدرسة ابن تيمية – فبسبب مخالفة ابن تيمية لعلماء أهل عصره من شتى الطوائف ، ولا يعقل فسادهم جميعا وصلاحه – قد صُنعت في السجون والخفاء ، وهذه البيئات لا يخرج منها غالبا سوى العنف والغلو ، حيث لا يتسنى مراجعة العلم وتهذيبه ، ، ولذلك لم يطلع علي آرائه سوى فئة قليلة من اتباعه ، ولم تُؤصل في النور ، ولم تهذب كما كان يفعل علماء المذاهب في تخصصهم ، ثم اختفت كتبه ومعارفه حتى تبناها ونشرها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب بقوة السيف ، وفي ظل هذا الجو الملبد بغيوم الارهاب الفكري بالتكفير والتبديع لمن يخالف هذه المنظومة الفكرية والعقدية ، استكان من استكان ونشأ جيل لا يعرف إلا ما رأى ، فلم تُؤصل الأفكار في أجواء حرية الفكر ودقة التخصص ، كما حدث مع سائر مدارس التخصص الفكري الإسلامي ،

[  5  ] لابد للمسلمين من مرجعية علمية عند الخلاف ، تفض الخلاف وتقضي على النزاع ، فما اتفق عليه المتخصصون في علم معين تأخذه الأمة ، وما اختلفوا فيه يسع الأمة جمعاء ما وسعهم من الخلاف إذ هم اهل التخصص فيه ، ومن المسلمات في دين الله تعالى أنه لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه ،

قال الله تعالى : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [ التوبة : 12  ] ، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم ، قال تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وقوله تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ،  إنّ احترام التخصص العلمي والرد إلى المدارس المتخصصة في علوم الإسلام  واجب شرعي ،

وطالب العلم السوي العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه ، ومظانه عند أهل التخصص فيه ، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث ، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه ، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة ، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها ، ومن أراد التزكية والتربية ، ووراثة الأحوال والمنازل لجأ إلى علماء التصوف ، وأهله العارفين به ، وهكذا ، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص ، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه ،

[  6  ] بداية ظهور التخصص في العقيدة : عندما استفحل أمر الفرق الضالة ظهرت الحاجة إلى بيان مذهب أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة ، وأصول تلك الفرق الضالة المضلة المؤثرة في العالم الإسلامي تكاد تكون أربعة هم ( الخوارج ) و ( الروافض ) و ( المعتزلة ) و ( الحشوية ) ، وكان أهم أسباب ظهورها هو تتبع المتشابه  الذي حذر منه القرآن الكريم بقوله تعالى :

{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [ آل عمران : 7 } ، ففي الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ،

وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان ، فإنّ تتبع المتشابه فيها أدى إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة التعطيل حتى نفوا صفات الله تعالى المحكمة ، وإلى ظهور الحشوية في جهة التجسيم ، وحتى نسبوا لوازم التجسيم من الحد والمقدار والصور والأشكال والكون في المكان إلى جناب ذات الله تعالى ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، أما طريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق  في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه ، ورد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ،

وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ، هذا هو فعل المتخصصين الراسخين في العلم الذين مكنهم علمهم من الاستنباط الصحيح ، قال تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ، وصار لأهل السنة والجماعة ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه ، وهي ( المدرسة الأثرية ) وعليها غالب فضلاء السادة الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس أو بسبب تسرب مفردات عقيدة الحشو إليهم ،

( والمدرسة الأشعرية ) وعليها غالب علماء السادة المالكية والسادة الشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال – ، ( والمدرسة الماتريدية ) وعليها غالب علماء السادة الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وهذه المدارس الفاضلة الثلاث تمثل أهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، وعلماؤها هم أهل الفقه الأكبر في الدين ، 

[  7  ] اتباع المتشابه هو الذي أهلك الفرق الضالة : حذرنا القرآن الكريم من تتبع المتشابه ،

قال تعالى : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [ آل عمران : 7 ، 8 ] ، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } ، قالَتْ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم )) [ البخاري :ح ( 4547 ) ، مسلم :ح (  2665 ) ]  ،

وقد وصف القرآن الكريم متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين ، وفي الحديث حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ، وعلى ذلك  فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين ، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم ، والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه : جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية ، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية ( المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى ، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى ،

وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة ، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى ، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال ، وطريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق  في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه  ، ورد المتشابه إلى أمه وأصله ، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء  أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها ، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده ، قال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [ النساء : 82 ] ، وجميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه ، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة { الله } من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ } ، قال : لا يعلم المتشابه إلا الله وحده ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ( أي المتشابه ) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ( أي المحكم والمتشابه ) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله ، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول : عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين ، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة ، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله ، ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } قال : إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه ، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين ، [ أنظر تفسير القرطبي والطبري وابن كثير في تفسير الآية ] ،

والخلاف في المسألة يكاد يكون لفظياً ، فإن من المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو كل ما يتعلق بحقيقة ذات الله تعالى وحقيقة صفاته وحقيقة أفعاله ومنها سر القضاء والقدر الذي لا يعلم حقيقته إلا الله ، ومهمة العلماء تجاه هذا المتشابه هو الإيمان وتفويض العلم الحقيقي فيه إلى الله وحده ، لأنّه لا قبل لمخلوق في إدراك شيء عن جناب ذات الخالق وحقائق صفاته ، وللعلماء دور آخر مهم وهو تقليل أثر المتشابه وذلك بعدم تتبعه ، وحمله ما أمكن على محكمه ، وتفويض حقائق علمه إلى الله وحده ، ومن المتشابه ما يمكن أن يعلمه العلماء مع الاجتهاد والاستنباط وإعمال الجهد في فهم النصوص ، وحمل المتشابه على المحكم ،  ومثال ذلك كل ما يتعلق بالدين نفسه في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة ، وعموم مسائل الأسماء والأحكام مما لا يتعلق بحقائق ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على : لفظ الجلالة ( الله ) أو بالوقف على : ( الراسخون في العلم ) ، ولكن وفق طبيعة المتشابه ونوعيه ، إذ منه ما لا يعلمه سوى الله وحده ، ومنه ما يعلمه الراسخون في العلم مع الاجتهاد والاستنباط ،

[  8  ] آيات الصفات منها آيات محكمات تدل على الكمال من كل وجه ، وهناك آيات متشابهات يؤدي إثبات ظواهرها إلى نسبة النقص أو العجز أو الحدوث أو القصور إلى ذات الله تعالى وصفاته : فمن المحكم – على سبيل المثال – ( صفة العلم ) وهي صفة كمال من كل وجه ، وضدها الجهل وهو مستحيل على جناب الله تعالى ، و ( صفة القدرة ) وهي صفة كمال من كل وجه وضدها  ( العجز ) ،

وهو مستحيل على جناب الله تعالى ، وما أكثر الصفات المحكمة التي تدل على وجوه الكمال والجلال والإكرام لله تعالى كما أنّ جميع الأسماء الحسنى الثابتة في حق الله تعالى فهي تدل على صفات محكمة لله تعالى ، أما المتشابهات فهي ( الأخبار ) التي توهم النقص أو العجز أو العيب في حق الله تعالى ولا يوحي إثباتها بإثبات الكمال من كل الوجوه ، وتلك المتشابهات أقسام : فمنها نصوص توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى ذات الله تعالى  كالوجه والعين واليد ، وهناك آيات توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء ، وهناك نصوص توهم الحدوث والتغير من حال إلى حال ، وكل ذلك مستحيل على جناب الله الأحد الصمد القديم بجناب ذاته وصفاته  ، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه سبحانه ،  

[  9  ] منهج السلف في المتشابهات : للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث ، منهجان صحيحان : المنهج الأول : هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ ، [ المنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات ] : وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد ، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول ، والنصوص توهم النقص والحد ، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال ،

ومذهب السلف الأول فيها : أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل ، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة ، – حاش لله من هذا الظن السيئ بهم – بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله ، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه ، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس ، [ المذهب الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات ] ،

وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم : والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة ، فهذا تأويل شرعي صحيح ، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة ، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة ، وهذا ( تعطيل ) وليس تأويل ، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة ، وهذا ( التعطيل ) لا يختلف على منعه وحرمته أحد من علماء أهل السنة والجماعة ، أما ( التأويل الصحيح بضوابطه ) ،  فهذا قد ورد عن السلف الكرام ،  ومما يدل عليه  أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه ، ومن ذلك تأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى ( واصنع الفلك بأعيننا )

قال رضي الله عنه : ( بمرأى منا ) ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الأيد) في قوله تعالى ( والسماء بنيناها بأييد ) قال رضي الله عنه : ( بقوّة وقدرة ) ، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض ) بالهادي ، وتأويله رضي الله عنه للفظ ( الساق) في قوله تعالى ( يوم يُكشف عن ساق ) بالكرب شديـد ، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله : (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل) ، ومن تأويلات التابعين : تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله ) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله ، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر ، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه) ، في قوله تعالى ( فأينما تولُّوا فثم وجه الله ) بقبلة الله ، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى  ( كلُّ شيء هالك إلا وجهه ) : أي إلا هو ، وتأويل الحسن البصري ( المجيء ) في قوله تعالى: ( وجاء ربك ) : بمجيء أمره وقضاؤه ، وتأويله ( الجنب ) في قوله تعالى ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) قال: في طاعة الله ، ومن تأويلات تابعي التابعين : تأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول ، بقوله :  ( ينزل أمره – تعالى – كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو ) اهـ [ التمهيد 7 / 143، سير أعلام النبلاء 8 / 10 5 ، شرح النووي على صحيح مسلم 6 / 370 ] ،

وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى ، في قوله تعالى ( وجاء ربك ) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه [ البداية والنهاية لابن كثير 10  / 361  ] ، وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى ( كلّ شـئ هالك إلا وجهه ) ( إلا ملكه ) [ صحيـح  البخاري كتـاب التفسيـر ] ، وقد تأول الإمام الطبري ( العين ) في قوله تعالى ( ولتصنع على عيني ) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ، وهذا غيض من فيض ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان ، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه ، الأول تفويض المعنى والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز ،  

[  10  ] المدرسة الأثرية هم الامتداد الحقيقي والصحيح لمذهب السلف :  الأثرية هي النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام وأهم علماؤه الأئمة مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل وسفيان ابن عيينة ، وسفيان الثوري ومذهبهم واضح وأهم أصوله : التفريق بين المحكم والمتشابه ، تفويض كيفية المحكم وتفويض علم المتشابه ، عدم الخوض بالحشو والتجسيم ، والأثرية هم الامتداد  الصحيح والحقيقي للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة ، والمتمعن في مقالاتهم في المتشابه يجد أنّها ترتكز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله ، فمن ذلك : قولهم : ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم ،

وقولهم : نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها ، وقولهم : نترك التعرض لمعانيها ، وقولهم : كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره والسكوت عنه ، وقولهم  : كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفي عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له ، وقولهم : المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى ، وقولهم : حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط ، وقولهم : آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله ،

[  11  ] تنبيهات مهمة تتعلق بالأثرية : ( تنبيه أول ) : مذهب الأثرية من تفويض معنى المتشابه ليس معناه الجهل بالمراد من الآيات : لقد فهم البعض من السلفية خطئاً أنّ معنى تفويض المعنى هو الجهل العريض بآيات الصفات ، وهذه سقطة عظيمة وزلة عالم ، لا ينبغي تتبعها لأنّ مذهب السلف وأهل الأثر في الألفاظ المتشابهات التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث هو تفويض علمها إلى الله ، واكتفوا بالمعنى الإجمالي المفهوم من سياق الآيات دون تتبع للمتشابهات ،  ( تنبيه ثان ) : الأثرية لا يخوضون في المتشابه لفرط خوفهم من التكلم على الله تعالى بغير علم ، لكنّهم يعرفون من أصول توحيد الذات وقواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من نسبة النقص إلى ذات الله تعالى ،

إذ هم يعرفون الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى ، وإذ هم منزهون لله تعالى عن المكان والزمان وحلول الحوادث ، ( تنبيه ثالث ) : الأثرية على وفاق تام مع الأشاعرة والماتريدية في أصول العقيدة ، ولذلك يعترف الجميع بأن الطوائف الثلاث تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة ، قال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى ( لوامع الأنوار البهية 1 / 73 ) : أهل السنة والجماعة ثلاث فرق : ( الأثرية ) ، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، و ( الأشعرية ) ، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ، و ( الماتريدية ) ، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) اهـ ، ( تنبيه رابع ) : الفرق كبير بين الأثرية والحشوية ، بل لا تصح المقارنة أصلاً ، فإنّ الأثرية لديهم من قواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من الحشو والخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق ، ولذلك نجدهم عند متشابهات الصفات يرون تفويض علم هذا المتشابه إلى الله ، لأنّ ظاهره يوحي بما هو محال على الله تعالى من نسبة الأجزاء والأبعاض والجوارح إلى ذات الله تعالى ،

أو نسبة الحوادث من الحركة والسكون إلى الله تعالى القديم المنزه عن الحوادث ، وأما الحشوية فليست لديهم قواعد للتنزيه ولا هم يعلمون من علم التقديس ما يردعهم عن الخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق ، وهم لا يفرقون بين المحكم والمتشابه ،  وهم يرون اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات وتفويض الكيفية إلى الله ، ( تنبيه خامس ) : لقد ذهل الحشوية عن حقيقة مذهب السلف والأثرية امتداد السلف الحقيقيون في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأثرية المفوضة في المتشابهات بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع ، مع أنهم هم امتداد السلف الحقيقيين  ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأشاعرة والماتريدية أكابر علماء العقيدة المتخصصين فيها على منهاج اهل الحق بأنّهم متعطلة ومؤولة وانّهم ليسوا من اهل السنّة والجماعة في باب الصفات ، مع أنّ الحق والصواب أنّهم ( الحشوية ) هم الضالون في هذا الباب لأسباب عديدة ، أهمها الذهول عن قواعد التقديس والتنزيه والتسبيح  المتعلقة بذات الله تعالى ، والمستمدة من الكتاب والسنة ، وأدى ذلك إلى خلل في فهم قسم توحيد الذات ( علم التقديس ) الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين ، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى ،  وإلى الوقوع في الحشو على حساب التقديس ، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك  ،

وممن تسربت إليه بدع الحشو ( ابن تيمية ) ، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم ، والعالم المخلوق تحته ،  وهو موجود بذاته على عرشه ، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت ، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته ، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات ، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية ، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث ، وهل بعد تلك العقائد الفاسدة يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد ،

[  12  ] الأشعرية والماتريدية امتداد السلف وهم المتخصصون في علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ) : ( الأشاعرة ) : هم المتخصصون في العقيدة ، أوسع مذاهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة ، ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري  رحمه الله ( 270 ه إلى 330 ه ) ، وحفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، وهو الذي أظهر الله تعالى على يديه عقائد أهل السنّة ، نصر الحديث ، وكسر هجمة المعتزلة والمجسمة على الدين  ،  هداه الله تعالى لتأصيل قواعد مذهب أهل السنة في العقائد بعد أن أمضى أربعين سنة من حياته على مذاهب الاعتزال ، عرف من خلالها حقيقة مذهبهم، وتمرس بفنونهم وأساليبهم في الجدال، والنقاش، والنظر، مما مكّنه من الرد عليهم ، وإبطال شبههم ، فوجد فيه أهل السنة ضالتهم التي طالما بحثوا عنها فاتبعوه ،

وساروا على نهجه، لما رأوا فيه من القدرة على إفحام خصومهم، والدفاع عنهم، وتثبيت مذاهبهم ،  وعظماء أمة النبي صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة ، كالباقلاني ، والقشيري ، وأبي إسحاق الشيرازي ، وأبي محمد الجويني ، وولده أبي المعالي الجويني إمام الحرمين ، وحجة الإسلام الغزالي ، والقاضي أبي بكر بن العربي ، والإمام فخر الدين الرازي ، والحافظ ابن عساكر، وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، والإمام الرافعي، والإمام النووي، والإمام السبكي ، والحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام الفقيه ابن حجر الهيتمي ، والحافظ السيوطي ، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري ، وما لا يحصيه العد مما تنقطع بذكره الأنفاس، ويضيق بعده القرطاس ، فهؤلاء هم الذين حفظ الله تعالى بهم دينه إلى يومنا هذا ،  ومن تجاهل هذه الحقيقة فقد خاصم التاريخ وتعامى عن الواقع المرئيِّ لكل ذي عينين ، والأشاعرة لم يبتدعوا  مذهباً ، وإنما كانوا مقررين لمذهب السلف، مناضلين عن عقائد الإسلام ، وقد كان منهجهم عدلاً وسطاً في كافة مباحث الدين لم يحدثوا في دين الله حَدَثاً، ولم يأتوا فيه ببدعة ، بل أخذوا أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصروها أتم نصر بزيادة شرح وأحسن برهان ، 

إذن : الأشاعرة : لقبٌ يطلق على أهل السنة أتباع الإمام أبي الحسن الأشعري في طريقة استدلاله وعرضه للعقيدة ، ونسبتهم إلى هذا الإمام نسبة اشتهار ، كما أننا نقول قراءة عاصم، وقراءة نافع ، ونسبة هذه القراءات إليهم لا يعني أنهم اخترعوها ، ولكن لتصديهم لجمعها وتدريسها والاعتناء بها على هذا الوجه نسبت إليهم ، وكما نقول: مذهب مالك ومذهب الشافعي ولا تعني هذه النسبة أن مذاهبهم مقطوعة الصلة عن الصحابة والتابعين ، بل هي ولا شك مذاهب الصحابة والتابعين ،

[  13  ] الأشاعرة مدرسة أصولية متكاملة : أنقذ الله تعالى بهم الأمة من الاعتزال والحشو ، صاغوا المنهج الحق ، القائم على الكتاب والسنّة ، بعيداً عن بدع الخروج والتشيع ، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو ، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة ، في باب الإيمان والكفر  ، وباب التقديس والتنزيه والتوحيد ، وباب السنّة والبدعة ، وضبطوا أصول علم الإلهيات والنبوات والسمعيات ، بما لا مزيد عليه ، توسطاً واعتدالاً وصحة وبياناً  ، وكان منهاج هؤلاء يقوم على محاور : أهمها : الأول : دعم جميع أبواب العقيدة الصافية الصحيحة بالأدلة النقلية الصحيحة والبراهين العقلية الصريحة ، والمحور الثاني : الذب عن الإشكالات التي أوردها أهل البدع على المنهج الحق الوسط العدل التي تميز به الأشاعرة ، الثالث : قمع البدع العقائدية وإظهار عوارها وخطئها ، وبهم أسكت الله تعالى أهل البدع وأذلهم ،

[  14  ] ( والماتريدية ) : ينتسبون إلى الإمام أبو منصور الماتريدي ، وهو إمام الهدى وإمام المتكلمين ومصحح عقائد المسلمين ورئيس أهل السنة والجماعة وناصر السنة وقامع البدعة ، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل أبي أيّوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري ، مضيف النّبي الأكرم صلَّى الله عليه و سلَّم في دار الهجرة ، وتعتمد أسس الماتريدية على المذهب الحنفي في العقائد والفقه ،  وكان لأنصار أبي منصور الماتريدي الدور المهم في انضاج المذهب ونصرته ونشره وإشاعته ، فقد كافحوا المعتزلة والمجسمة والحشوية ، والحاصل هو أن الأشعريّ والماتريدي هما إماما أهل السنّة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها ،

وغالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف من قبيل اللّفظي ، والأشاعرة والماتريدية هما جناحا أهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، وهما المذهبان المتخصصان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية ، قال الإمام المرتضى الزبيدي : ( وليعلم أنّ كلاًّ من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور – رضي الله عنهما – وجزاهما عن الإسلام خيراً لم يبدعا من عندهما رأياً ولم يشتقا مذهباً إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول الله … ناظَرَ كلٌّ منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين) اهـ. [ إتحاف السادة المتقين 2/7 ] ، 

[  15  ] الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة : لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة : ثلاث مذاهب لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو ، وهي

( المذهب الأثري ) وعليه غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ،

( المذهب الأشعري ) وعليه غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال – ،

( المذهب الماتريدي ) وعليه غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وجميع تلك المذاهب يعبر عن الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة ، ما اتفقوا عليه من أصول الدين والعقيدة نجتمع عليه ، ويسعنا ما وسعهم من الاختلاف في فروع العقيدة ، وهذه المذاهب الثلاث المؤصلة هي المرجعية العقائدية الصحيحة لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة ،

[  16  ] المدارس الفقهية لأهل السنة والجماعة : استقر لأهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة  ، يأخذون الفقه عنها ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ولم تؤصل ولم تُراجع أقوالها ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة ، لقد جمع الله تعالى علوم الفقه كلها في مذاهب الأئمة الأربعة : فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة ، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه ، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق،

ويضع علم أصول الفقه ، ويملأ طباق الأرض علما وفقها ، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه ، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة ، على أنّ هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة : وهم كثيرون أمثال: الأوزاعي بالشام ، وسفيان الثوري بالعراق ، والليث بن سعد بمصر ، وسفيان بن عيينة بمكة ، إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة ، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع ، وعلى ذلك : فإنّه يمكن القول بأنّ علوم الفقه كلها اجتمعت في مذاهب الأئمة الأربعة ، وهي مذاهب منضبطة مدونة محررة معروفة ، تخرج من خلالها  آلاف الفقهاء ، وهذه إشارة إلى هذه المذاهب الفقهية العريقة المؤصلة ،

[  17  ] المذهب الحنفي : إمام المذهب هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت ، ( ولد في الكوفة سنة 80هـ ) ، برع في الفقه حتى صار من بعده عيالاً عليه ، قال ابن المبارك : أفقه الناس أبو حنيفة ، وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة ،  والإمام الأعظم أبو حنيفة : يُعَدُّ هو المؤسِّس لأول مدرسة متخصصة في الفقه الإسلامي كعلم له منهج واضح ، وقواعد رصينة ، وموضوعات متكاملة تتناول جميع موضوعات الفقه ، وكل من جاء بعده استفاد من طريقته في الفقه ،

ومن المقترحات لدراسة المذهب الحنفي : المرحلة الابتدائية : ( متن الكتاب ) وهو  ( مختصر القدوري ) ( ت 428 هـ ) ، وهو متن سهل العبارة جدا ، ويعد أكثر متون المذهب الحنفي تداولا واشتهارا ، ويعد كذلك أحسنها وأكملها  ،  والمرحلة المتوسطة : ( اللباب شرح الكتاب )  لعبد الغني الميداني ، والمرحلة المتقدمة : دراسة كتاب ( الهداية شرح البداية ) للمرغيناني ، مع شرحه ( فتح القدير) لابن الهمام الحنفي ، ولا يمكن لطالب الفقه الحنفي بحال أن يكون في غنى عن حاشية : ( رد المحتار على الدر المختار )  و المشتهرة بـ ( حاشية ابن عابدين ) إذ هي المعتمد الأول لدى الحنفية في الفتوى ، فلا يمكن نسب فتوى حنفية واعتمادها دون مراجعة هذه الحاشية ، وتوثيق الاعتماد منها ، 

[  18  ] المذهب المالكي : إمام المذهب : هو إمام دار الهجرة أبو عبدالله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي ولد بالمدينة سنة 93هـ ، وكان جده أبو عامر صحابياً قدم من اليمن إلى المدينة بعد غزوة بدر، وشهد المغازي كلها، وأما جده القريب مالك فمعدود في كبار التابعين ، هو إمام أهل الحديث وإمام أهل الفقه ، وإذا ذكر عالم المدينة فليس ثمة غيره ، اشتُهر بعلمه الغزير وقوة حفظه للحديث النبوي وتثبُّته فيه، جمع فقه علماء مدرسة أهل الأثر بالمدينة جميعهم ، وجمع فقه مدرسة أهل الرأي عن طريق الإمام الفقيه ربيعة الرأي ،

فكان آية في الفقه والعلم ، وصدق فيه حديث النبي صلى الله عليه ، فقد روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة ))  ، قال الشافعي: مالك حجة الله على خلقه ،  وقال أيضا : إذا ذكر العلماء فمالك النجم ، ومن المقترحات لدراسة المذهب المالكي : المرحلة الابتدائية : ( متن الأخضري ) ، ويشمل فقه الطهارة والصلاة ، ثم ( متن ابن عاشر ) المسمى بالمرشد المعين على الضروري من الدين ويشمل فقه العبادات ، ثم ( مختصر خليل ) ، ويشمل جميع أبواب الفقه ، المرحلة الثانية : يدرس ( المرشد المعين)  لابن عاشر بشرح محمد ميارة ، ثم يدرس ( الثمر الداني بشرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني ) للأبي ، ثم المرحلة الثالثة : وفيها يدرس الشرح الكبير للدردير على مختصر خليل ،

[  19  ] المذهب الشافعي : إمام المذهب : هو أبو عبدالله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع القرشي المطلبي ، ولد الإمام بغزة سنة 150ه ـ، ولم تكن موطناً له، لكن أباه خرج إليها من مكة لحاجة فمات بها بعد أن وُلد الشافعي بقليل، ثم عادت به أمه إلى مكة سنة 152هـ ،  حفظ القرآن في صباه ، ثم خرج إلى بادية هذيل فبقي فيهم عشر سنين أفاد فيها فصاحة اللسان ومعرفة الأدب العربي وحفظ الشعر والفروسية والرماية ،

وقد تلقى العلم بادئ الأمر في مكة على يد مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة (ت179هـ) ، ثم رحل إلى مالك في المدينة ، وقرأ عليه الموطأ وأخذ عنه الحديث والعلم ، ولزمه حتى مات ، ثم خرج إلى العراق فلقي محمد بن الحسن وأخذ منه فقه العراق ، فاجتمع له فقه الحجاز ( مكة والمدينة ) والعراق ، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق، ووضع للفقه أصولاً تضمنتها ( الرسالة ) ، وإليه ينسب علم أصول الفقه ، ثم اختص بمذهبه المعروف ، واستقر بمصر ومنها ملأ طباق الأرض علما وفقها ، اعترف الجميع للشافعي بالرفعة والجلالة والتميُّز ، والفقهاء بعده  عيال عليه في الفقه وأصول الفقه لأنه هو الذي فتح هذا الباب ، وصدق فيه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ((اللهم اهد قريشاً فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً، )) أخرجه أبو داود الطيالسى فى مسنده ، وأبو نعيم فى الحلية ، وقال أبو نعيم: هذه الصفة لا تنطبق إلا على الشافعي ، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبراً، قلت فيها بقول الشافعي ، لأنه إمامٌ عالمٌ من قريش، وقال عنه أيضا : كان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقال أيضا : ما أحد مس محبرة ولا قلما إلا وللشافعي في عنقه منة ، وقال أبو داود ما أعلم للشافعي حديثا خطأ ، ومن المقترحات لدراسة المذهب الشافعي : ( المرحلة الأولى ) : كتاب متن الغاية والتقريب المشهور بمتن أبي شجاع للإمام أبي شجاع أحمد بن الحسين الأصفهاني ت ٥٩٣ ه ، وشرح الخطيب الشربيني ، الاقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ،  ( المرحلة الثانية ) كتاب منهاج الطالبين للإمام النووي رحمه الله ، وعليه شرح : نهاية المحتاج بشرح المنهاج للإمام ، ( المرحلة الثالثة ) كتاب أسنى المطالب شرح روض الطالب ، لشيخ الإسلام أبي زكريا الانصاري ، وعلى الأسنى حاشية للرملي ، ( المرحلة الرابعة ) التوسع ، وفيه يتم دراسة ( المجموع ) للنووي في فروع الفقه ،

[  20  ] المذهب الحنبلي : إمام المذهب : هو إمام أهل السنة أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل ، ولد سنة 164هـ ، عُرف بولعه وشغفه بالعلم منذ صباه ، أخذ عن كل علماء الحديث في العراق والشام والحجاز، وجمع الأحاديث في كل الأقاليم ودوَّنها ، جمع فقه أهل العراق ثم لازم الشافعي وتتلمذ على يديه في الفقه ، وجمع الله تعالى له الحديث والفقه ، قال عنه الشافعي: أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه ، إمام في اللغة ، إمام في القرآن ، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع ، إمام في السنة ” ، ومن المقترحات لدراسة المذهب الحنبلي : المرحلة الابتدائية : كتاب (العمدة) للموفق ابن قدامة ، و ( المرحلة الثانية ) : ( العدة شرح العمدة في فقه الحنابلة ) والذي شرحه بهاء الدين المقدسي ، أو كتاب (الكافي) للموفق ابن قدامة ، و ( المرحلة الثالثة ) : كتاب (المغني ) للموفق بن قدامة ، 

[  21  ] الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب الفقه : استقر لأهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة  ، يأخذون الفقه عنها ، المذهب الحنفي ، والمذهب المالكي ، والمذهب الشافعي ، والمذهب الحنبلي ، وقد مال أهل الفقه إلى الاكتفاء بهذه المذاهب الأربعة في باب الفقه : لأسباب عديدة منها :

(  السبب الأول ) : بلوغ الأئمة الأربعة إلى مستوى فقهي لا يسهل الوصول إليه ، فقد حباهم الله تعالى بقدر عظيم من العلم والفقه بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، مع الإلمام الكبير بآلات الاجتهاد والفقه ،  

( السبب الثاني ) :  صعوبة شروط التأهل لمرتبة الاجتهاد. حيث تقصر الهمم عن بلوغ رتبة الاجتهاد ، وقد بين العلماء الضوابط والشروط التي يصل بها الفقيه إلى مرتبة الاجتهاد المطلق ، وذكروا منها شروطا عشرة تتمثل في : معرفة آيات الأحكام من القرآن الكريم ومعرفة تفسيرها والناسخ والمنسوخ منها وأقوال الفقهاء حولها و معرفة أحاديث الأحكام من السنة ، ومعرفة تفسيرها والناسخ والمنسوخ منها وأقوال الفقهاء حولها ، و معرفة مسائل الإجماع ، و معرفة وجوه القياس ، و معرفة اللغة العربية ، و معرفة أصول الفقه ، ومعرفة مقاصد الشريعة العامة ، وأن يكون لديه ملكة الاجتهاد ،

( السبب الثالث ) : وضع أصول الفقه للمذاهب الأربعة والذي يشمل جميع الطرق الموصلة إلى الرأي الفقهي ، ولهذا فمن بلغ رتبة الاجتهاد المطلق ( وما أعسرها ) فلابد أن يسير وفق أصول الفقه لأحد المذاهب الأربعة ، وبالتالي فلا داعي للاجتهاد خارج المذاهب الأربعة ، ويمكنه الاجتهاد في إطارها  ،

( السبب الرابع ) : تجرؤ كثير من مدّعي العلم على الفتيا ، وقولهم هؤلاء رجال ونحن رجال مثلهم ، وهذا ما أجبر العلماء على الاحتياط وضبط الأمور ، وسد الذرائع لئلا يدخل في باب الاجتهاد من ليس من أهله ،

( السبب الخامس ) : الخبرة الجماعية التي اكتسبتها المذاهب الفقهية من خلال تضافر جهود علماء المذاهب على بلورة الطريقة المثلى لتدريس الفقه بأيسر الطرق وأحكمها ، وضمان تأهل دارسيها بالإلمام الفقهي بجميع جوانب الفقه وأبوابه ، وأصول الفقه ، والقواعد الفقهية الجامعة ، فقد صارت هذه المذاهب الأربعة – بفضل الجهود الجماعية لعلمائها – بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه ، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر ،  وقد وضع الفقهاء ضوابط رصينة في حق الانتساب للمذاهب الفقهية الأربعة  :  على وفق أن المذاهب الفقهية هي اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء ، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا ، وقد كانت تلك المذاهب بمثابة المدارس المتخصصة في الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة ، تخرج من خلالها آلاف من الفقهاء الائمة العلماء من المجتهدين في اطار مذاهبهم وأصول فقههم ، ومن أهم ضوابط الانتساب إلى تلك المذاهب :

( 1 ) أنّه يجوز اتباع مذهب من هذه المذاهب الأربعة ولكنه ليس واجبا شرعاً ، وإنما هو من قبيل وضع الضوابط الفقهية لتلقي الفقه على أحسن وجه ممكن ، لأنّه من الصعب جدا أن يكون في الفقه مثل تلك المدارس التي شارك في بناء صرحها الآلاف من الأدمغة التي لا يتيسر جمعها مرة أخرى ،

( 2 ) التزام مذهب بعينه من المذاهب الأربعة ليس واجبا ألزمنا الله به ، وإنما هو من باب أخذ العلم من طريقه الصحيح وأهله المتخصصين فيه ،

( 3 ) المذاهب الأربعة متكافئة ، وعلى ذلك يجوز تقليد أي واحد من هؤلاء الأئمة  فكلهم على خير ،

( 4 ) من التزم مذهبا من تلك المذاهب لا يجوز له انتقاء الأقوال – وفق الهوى – من تلك المذاهب فيختار الأيسر مثلاً ، بل عليه أن يلتزم بمذهب إمامه في شروطه وضوابطه ، لأنّ الأئمة الفقهاء ربانيون راسخون في العلم فإن تشدد أحدهم في شرط يسّر في آخر ، حتى يكون الضبط مع التيسير سمة الفقه ، فمن تتبع رخص المذاهب ضل وأضل ، ومن التزم بمذهب واحد ضبطت مسائله على منوال واحد عدل وسط ، فلا يجوز الانتقاء بين أقوال المذاهب إلا عند الضرورة الملحة ، أو وجود الدليل الراجح ، ولا يملك ذلك إلا من بلغ مرتبة الاجتهاد في الفقه واستوفى شروطها ، والحذر الحذر من التلفيق بين الأقوال ، لأنّ التلفيق بينها قد يؤدي إلى إسقاط تكاليف أو تضييع حقوق العباد ، أو فوضى في معاملات البشر وهذا لا يجوز شرعا ، وفتح باب التنقل بين الأقوال شره أكثر من نفعه ، وليس كل الناس علماء ، ولا كل من تصدر للفقه أتقياء ،

( 5 ) يجوز لمن التزم مذهبا أن يتركه بكامله إلى التزام غيره من المذاهب بجملة أقواله ، فجميع تلك المذاهب متكافئة والحمد لله ، ويصعب ، بل ويستحيل تفضيل أحداها على الأخرى بصورة الجزم ، وقد حبى الله تعالى كل مذهب بخيرة الفقهاء والعلماء الذين شاركوا في بناء صرح المذهب الفقهي ،

( 6 ) من اتبع مذهباً فقهياً من المذاهب الأربعة  لا يجوز له الطعن بغيره من المذاهب ، ولا يجوز له التعصب من أجله ، بمعنى أنّه الصواب ومن عداه خطأ ، فهذا من التعصب المقيت الذى نهى عنه الشرع ،

( 7 ) لا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة لأنّ لكلٍ دليله ، والأدلة محتملة ، ولا يقوى على الترجيح إلا من اكتملت له آلة الاجتهاد ، وملكة الفقه والترجيح ، وهي لا تتيسر إلا لأقل القليل من العلماء ، فهل يُفتح باب الانكار على مصراعية لأجل النادر الذي له حكم العدم ،  ولذلك فلا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة ،

( 8 ) الأئمة الأربعة ليسوا معصومين عن الخطأ  بل يخطئون ويصيبون ، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم ، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم ، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة ، وكان اختلافهم رحمة ، وبعد فإنّ هذه المذاهب الأربعة تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع ، وجميعها يعبر عن الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب الفقه ، ما اتفقوا عليه من آراء الفقه نجتمع عليه ، ويسعنا ما وسعهم من الاختلاف ، وهذه المذاهب الأربعة المؤصلة هي المرجعية الفقهية الصحيحة لأهل السنة والجماعة ،

[  22  ] مدارس التزكية والإحسان المنتسبة لأهل السنة والجماعة : 

لقد كان من ثمرة التخصص في علم التزكية ظهور أقطاب التصوف الصديقين العارفين الذين رزقهم الله تعالى لسان الصدق في الأمة على مر العصور  ، قاموا على علم بتزكية الباطن ، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته ، وبيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين ، وكان لكل منهم طريقة في السلوك لها أورادها ولها اجتهاداتها التي تميزت بها عن غيرها ، إن مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان ، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها ، وهي :

( الفقه ) ويتناول مرتبة الإسلام ، و ( العقيدة ) وتتناول مرتبة الإيمان ، و

( التصوف ) ويتناول مرتبة الإحسان ، وكما هو معلوم أنّ القرآن الكريم قد تطرق إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية ، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ، بل ترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا  ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم ، وعلى مر العصور تبلورت العلوم ، فكما تخصص علماء الأصول في علم العقائد وسموه علم العقيدة ، وكما تخصص الفقهاء في علم الفقه وسموه بهذا المصطلح ، كذلك أقر علماء أهل السنة والجماعة

( التصوف ) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان ، وذلك كشأن بقية العلوم الأساسية ، وهو علم عظيم واسع من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس ، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية ، مع وجود منهاج علمي وسلوكي من أجل الوصول إلى منازل مرتبة الإحسان العالية ، 

[  23  ] ( تاريخ التصوف الاسلامي ) : ويمكن اختصاره إلى ثلاث مراحل :

( المرحلة الأولى ) : كانت بداية التصوف كعلم ومدرسة تربوية مستقلة عن علمي الفقه والعقيدة ، في بدايات القرن الثاني ، أي بعد نشأة الفقه كعلم ومدرسة علمية بشيء يسير ، وكان الناس ينظرون إلى التصوف على أنه زهد وتقشف وعبادة في الفترة التي عاش فيها صوفية : من أمثال الحسن البصري ( ت ١١٠ هـ ) ،  وإبراهيم بن أدهم البلخي ( ت ١١6 هـ ) ،  ورابعة العدوية ( 185هـ ) ، والفضيل بن عياض الخراساني ( ت ١87 هـ ) ،  ومعروف الكرخي ، ( ت 201 هـ ) ، وأبو سليمان الداراني ( ت205هـ ) ، وبشر بن الحارث الحافي ( ت 227 هـ ) ،  والحارث بن أسد المحاسبي ( ت 243 هـ ) ، وذي النون المصري ( ت 245 هـ ) ، وسري بن المغلس السقطي ( ت 257 هـ ) ،  ويحيى بن معاذ الرازي الواعظ ( ت 258 هـ ) ، وأبو اليزيد البسطامي ( ت263هـ ) ،  وأحمد بن عيسى الخراز ( ت 277 هـ ) ،  وسهل بن عبدالله التستري ( ت 283 هـ ) ، وأبي القاسم الجنيد البغدادي ( ت 297 هـ ) ،  ورويم بن أحمد البغدادي ( ت 303 هـ )  ، وكان أهم ما يميز تلك المرحلة الاهتمام بتأسيس مصطلحات علم التصوف ، وأحواله ومقاماته كالمحبة والخوف والرجاء والزهد ، وبداية التمييز عن علماء الفقه ، بعلم التزكية والتصوف ،

و( المرحلة الثانية ) : وهي المرحلة التي  ظهر فيها عباقرة التصوف الذين كتبوا أعظم كتب التصوف ، أبو نصر السرّاج الطوسي ( ت378هـ ) في كتابه اللمع في التصوف ” و” أبو بكر محمد الكلاباذي ( ت380هـ ) في كتابه التعرف لمذهب أهل التصوف” و” أبو طالب المكي ( ت386هـ ) في كتابه قوت القلوب” و” أبو القاسم القشيري ( ت465هـ ) في الرسالة القشيرية” وهي من أهم الكتب في التصوف و” الغزالي ( ت505هـ ) في كتابه إحياء علوم الدين ، و ( المرحلة الثالثة ) : وهي مرحلة تأسيس الطرق الصوفية ، ومدارس التصوف والتربية والتزكية في العالم الإسلامي ، على يد الربانيين من أهل التصوف ،  و هذه ( الطرق الصوفية ) :  هي مدارس في التزكية والتربية مرتبطة بواسطة السند المتصل ، وجميعها تتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة من الأثرية أو الأشاعرة أو الماتريدية ، وتتبع أحد المذاهب الأربعة السنية ، والاختلاف بينها إنما هو في طريقة التربية والسلوك إلى الله ، حيث تختلف الطرق التي يتبعها مشايخ الطرق في تربية طلابها ومريديها باختلاف مشاربهم واختلاف البيئة الاجتماعية التي يظهرون فيها ، وكل هذه الأساليب لا تخرج عن كتاب الله وسنة رسوله ، بل هي من باب الاجتهاد المفتوح ، والتعددية المحمودة في أمة الإسلام ،

[ 6 ] معالم الإصلاح والتجديد في مجال التصوف السني الصحيح : تتمثل في :

( أولا ) : تأكيد وتجديد مبدأ ارتباط التصوف بالكتاب والسنة ،

( ثانيا ) : التأكيد على أهمية التصوف كمنهج أصيل للإصلاح والتربية ، 

( ثالثا ) : تصحيح التصورات الخاطئة عن التصوف لدى عامة المسلمين ، فإن السادة الصوفية هم خواص أهل السنة والجماعة ، لم يقل أحد من المعتبرين منهم إن الصوفية فرقة مختلفة عن أهل السنة ، لأن عقيدة الصوفية هي عقيدة أهل السنة ، كما أن جميع طوائف الاتحادية والحلولية والإباحية والباطنية والمادية طوائف ليست من الصوفية في شيء ، والصوفية منهم برآء كما أنّ الإسلام منهم برآء ، 

( رابعا ) : تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى بعض المتصوفة ، سواء كانت هذه المفاهيم محدثة من قبل المنحرفين ، أو أن لها أصلا صحيحا وتعرضت للتحريف من قبل الجهال والمبدِّلين ،

( خامسا ) واجبنا نحو التصوف : هو طرحه نموذجاً لمرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين ، وأن نعكس صورة التصوف الإسلامي الصحيح من خلال أخلاقنا وآدابنا والتزامنا بالشرع الشريف ، وأن نحرص على أتباع أسس التصوف الأولى :  صفاء النفس ، وقصد وجه الله ، والتمسك بالفقر والافتقار ، وتوطين القلب على الرحمة والمحبة ، والتجمل بمكارم الأخلاق التي بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم لإتمامها ، وأن نعمل على  نشر التصوف الصحيح  والبراءة من التصوف البدعي وادعياء التصوف ، وأن نتمسك بأخلاق الصوفية الاكابر ،

( سادساً ) : التأكيد على حقائق ، من أهمها :

( الحقيقة الأولى ) : بيان كون منزلة الطريقة في التصوف كمنزلة المذهب في الفقه ، فكما أنّ طلب الفقه الراسخ يتطلب التخصص على إحدى مذاهب الفقه الأربعة ، فكذلك فإن طلب التصوف الراسخ ينبغي أن يكون عبر إحدى طرق التصوف الموصولة السند والمتأصلة في تاريخ التصوف الإسلامي ،

و ( الحقيقة الثانية ) :  أهمية ذكر الله ، فإن الذكر منشور الولاية وعمدة الطريق الصوفي :  كما أنّ الذكر هو قوام التصوف الذى هو روح الإسلام ، والذكر له المكانة الرفيعة فهو في ذروة العبادات والطاعات

( الحقيقة الثالثة ) أهمية الأوراد في حياة المسلم فضلا عن الصوفي السالك لطريق الإحسان ، فينبغي لكل سالك أن  تكون له أوراد يومية لا يقصر عنها ، وهذا الورد اليومي الذي يرتبه ينبغي أن يلاحظ فيه أن يجعل له حداً أدنى لا بد أن يؤديه ثم بعد ذلك إن وجد فراغاً أو إقبالاً من النفس زاد ،

( الحقيقة الخامسة ) تصحيح الأخطاء ، مع الحرص على التوافق على ميثاق للعمل الصوفي يقرب ولا يفرق يأخذ بالمتفق عليه ويبتعد عن المختلف عليه ، ويأخذ بدرء الشبهات والجدية في المسؤوليات والبعد عن مواطن الخلاف ، إنّ التصوف يمثل المرتبة الثالثة من مراتب الدين وهي مرتبة الإحسان ، وعلى المصلحين أن ينبروا للدفاع عن قيم الإحسان ، وأن يهبوا هم قبل غيرهم لتخليص التصوف من كل الشوائب التي علقت به مع تقادم العهد. وأن يتخلصوا من كل الشكليات التي حطت من قدر التصوف ليعود إلى نقائه ودوره المنوط به  في تجديد أمر الدين وإصلاح حال المسلمين ، إلى هنا أكون بحمد الله تعالى وصلت إلى نهاية هذا المقال ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ، سبحان ربك عما يصفون ،  وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،