[ رؤيتنا ]

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، ففي هذه العجالة : نتناول بمشيئة الله تعالى : رؤيتنا التي تمثل مرجعيتنا العلمية  ، نقول وبالله التوفيق :

[ 1 ] أكرم الله تعالى أهل السنة والجماعة بميزة التخصص العلمي بمعنى ظهور مذاهب تخصصية في كافة أنواع العلم ولابد من احترام تلك المذاهب والتتلمذ على علمائها وعلومها ، ففي مجال العقيدة : هناك ثلاث مدارس تخصصية لا رابع لها إلا الميل إلى الحشو والتجسيم لا محالة أو إلى التعطيل والاعتزال لا محالة وذلك لأسباب يعرفها المتخصصون بحق في العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة وتلك المدارس هي : المدرسة ( الأثرية ) ، وعليها الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس ، والمدرسة ( الأشعرية ) ، وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال – ، والمدرسة ( الماتريدية ) ، وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال ، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها ، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف ، وفي مجال الفقه : هناك أربعة مذاهب لا خامس لها إلى الشذوذ الفقهي وذلك لأسباب يعرفها المتخصصون بحق في الفقه على منهاج أهل السنة والجماعة ، وهذه المذاهب الأربعة هي المتخصصة في علم الفقه الإسلامي ، وأولى المجتهدين بالإتباع : من اتُّفقت الأمة على إمامته وأهليته للاجتهاد من كلّ الجوانب ، وصار له مذهب معروف ، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة ، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء ، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على علمهم وفقههم ،  وفي مجال التزكية والتربية ( مجال التخلية والتحلية ومجال السير والسلوك ومجال الاحوال والمنازل والمعارف ) : صار لأهل السنّة والجماعة طرائق ومدارس ومؤسسات سلوكيه صوفية أسسها الربانيون ولابد من احترام تلك المدارس والسعي إلى تجديد التزكية في إطار احترام تلك المؤسسات وعلومها ومعارفها في مجال التربية والتزكية ،   وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم ، وتشمل مرجعيتهم تلك المدارس العلمية المؤصلة ، فنأخذ ما اجتمعت عليه المدارس العلمية السنّية ولا نلتفت إلى غيره ، ويسعنا ما وسعهم من الاختلاف في الامور الاجتهادية والفرعيات التي تخضع للوجوه المتعددة والاحتمالات المختلفة ،

[  2  ] : هناك فرق كبير بين الأثرية وبين السلفية ، فالسلفية التي برزت كمصطلح ومنهج له سماته ومفرداته العلمية على يد ابن تيمية في القرن الثامن الهجري ، عندما  كادت الامة الإسلامية أن تسلم مرجعيتها العلمية إلى المذاهب العلمية المؤصلة والاجتهاد من خلالها ومن خلال قواعدها الربانية العلمية السديدة ، فتفرغ ابن تيمية لإعادة صياغة مفاهيم الدين وعلومه معتمدا على نفسه لا على جهود العلماء قبله ، فرسم لأهل السنة والجماعة إطارا مغايرا للحقيقة ،  وخالف من أجله وعادى أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان  ، نصحه علماء أهل السنّة والجماعة  في زمانه ، فلم يتعظ ، ولم يرجع عن اخطائه العلمية ، فحكموا بسجنه حتى أدركته المنية في سجن دمشق  ، وقد تأثر به عدد من تلامذته أبرزهم ابن القيم ، ولكن لغلبة أهل الأصول الراسخين في العلم في زمانه انطفأت الفتنة حتى جاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر ، فأحيى تلك المفردات من جديد ، وتبنى نشرها بقوة السيف ، وأضاف إليها اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية ، وفي مباحث توحيد الربوبية ، وفي مباحث العبودية وضوابطها الصحيحة ، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر ، كما أنه نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وألصقها بالتوحيد والشرك ، واستحل بها دماء وأعراض وأموال أهل القبلة ، لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا ، فاجتمعت في الدعوة الوهابية المفاهيم الخاطئة عن الدين وعلومه التي أنشأها الشيخ ابن تيمية ، والتي أضافها الشيخ ابن عبد الوهاب ، وكان لهذه المفاهيم المغلوطة أكبر الأثر في تشتيت المسلمين وفرقتهم ووقوع سيف التكفير فيما بينهم ، ومرت على المسلمين – ولا يزال – سنوات عصيبة بسبب تلك المخالفات ، وما أودى بنا إلى تلك الحال إلا اعتماد مؤسسة واحدة غير متخصصة على أنّها البديل العلمي العام لجميع التخصصات العلمية الإسلامية ،  

[ 3 ] إنّ المرجعية العلمية الصحيحة الواحدة التي ترفع الخلاف بين طوائف أهل السنّة والجماعة : هي مرجعية الرد إلى مدارس العلم المتخصصة على منهاج أهل السنّة والجماعة  ، وهناك بحمد الله تعالى آيتان في كتاب الله تعالى يرتفع بهما الخلاف – إن فهمناهما الفهم الصحيح ، الآية الأولى ، قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [ النساء : 59 ] ، والآية الثانية ، قوله تعالى : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 83 ] ، فالآية الأولى : أوضحت أنّ المرجعية الأساسية عند النزاع والخلاف هي الكتاب والسنّة ، ولما كانت الأفهام قد تختلف أيضا في فهم أدلة الكتاب والسنّة ، أوضحت الآية الثانية من الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون ، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة ، وقد استقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة ، الأولى : المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل ، والثانية : الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري ، والثالثة : الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي ، ولا يمكن فصل إحداها بحال ، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة ، واستقر لهم ( أهل السنة والجماعة ) في الفقه مذاهب أربعة  ، يأخذون الفقه عنها ، المذهب الحنفي، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان ، والمذهب المالكي، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس ، والمذهب الشافعي، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي ، والمذهب الحنبلي، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل ، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تؤصل ، ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة ، ولهم في التزكية والأخلاق والتصوف مدارس على منهاج أهل السنّة والجماعة ، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم ، وتشمل مرجعيتهم تلك المدارس العلمية المؤصلة ، فنأخذ ما اجتمعت عليه المدارس العلمية السنّية ، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف في الامور الاجتهادية التي تخضع للوجوه المتعددة والاحتمالات المختلفة ،

[ 4 ] قد أكثر البعض المقال والبيان حول مقولة : (( الرد إلى الكتاب والسنّة بفهم السلف الصالح )) وهي مقولة حق ، لكن قد يؤول التطبيق الخاطئ لمعناها إلى وقوع الأمة في حيرة وشتات  ، وذلك لأنّ اصطلاح السلف الصالح هو اصطلاح يشمل فترة زمنية مباركة فاضلة ، هي فترة ( الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ) ،  باعتبارهم خير قرون الإسلام كما جاء في الحديث : ((خيرُ الناسِ قَرْنِي ، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم ، ثم الَّذِينَ يَلُونَهم ، ثُمَّ يَجِيءُ قومٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمينَهُ ، ويَمينَهُ شَهَادَتَهُ )) [ متفق عليه ] ، وهم ولا شك – على سبيل الإجمال – خير قرون الإسلام علما وعملاً وأخلاقا وقد كانوا بحق النواة العلمية الصالحة لظهور التخصصات العلمية بعد ذلك ، فإنّ أصحاب المذاهب التخصصية سواء في العقيدة او الفقه أو التزكية ، هم من السلف أو هم امتداد للسلف وهم من حسنات السلف ، ولم يخرجوا عن هدى السلف ، بل هم النابغين من تلاميذ السلف الذين تخصصوا في علوم الدين ، وقد منحهم هذا التخصص العلمي الدقيق أن يجمعوا أدلة كل باب من أبواب العلم ويرجحوا بينها في تمحيص شديد ويوفقوا بينها في تناسق بديع ، وهم عدول أهل العلم من أتباع السلف ينفون عن الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ، فالسلف كانوا خير الأمة ، والسلفية مرحلة زمنية مباركة ولم تكن مذهبا علميا كما يروج لها المروجون ، والدليل على ذلك ما يُنقل من الخلافات العلمية الواسعة في تلك الحقبة الزمنية المباركة في كافة أبواب العلم ، ولا يحق لأحد بعينه – مهما بلغ من العلم – أن ينصب نفسه المتحدث الرسمي عن السلف ، لأنّه آنذاك يتحدث عن فهمه هو لما يظن أنّه قول السلف وقد يكون هو مخطئاً فيما ينسبه إلى السلف ، وبالتالي فإن مصطلح السلف لا ينضبط علمياً ، وهذا بخلاف المدارس العلمية المتخصصة في باب من العلم كالعقائد أو الفقه أو التزكية ، فهؤلاء يجمعون كل أدلة العلم المتعلقة بمباحث علمهم ، ثم يوفقون بينها بما يمنع تعارضها وفق منهج مدروس مؤصل ، ثم تخرج أقوالهم في إطار منهجية كلية ترد المتشابه إلى محكمه ، والعام إلى خاصه ، والمطلق إلى مقيده ، علاوة على كون تلك المدارس العلمية المتخصصة مذاهب مؤصلة ومدارس معروفة والقول فيها منضبط معروف محدد يمكن الرجوع إليه دون نزاع ، وعليه فإنّ الرد إلى فهم السلف ليس دقيقا ولا منضبطا ولا نعرف من المقصود منهم عند اختلافهم ، ولا ومن هو المتخصص في الفقه ومن هو المتخصص في العقيدة وهكذا ، ولا يُعقل أنّ الرد يكون إلى أفرادهم عشوائيا في شتى التخصصات العلمية ، أما الرد إلى مدارس العلم المتخصصة فيه ، فهو الذي يرفع النزاع ، فالأمر الذي  اتفقت عليه مدارس العلم المتخصصة فيه نأخذه رأياً واحداً ، وما اختلفوا فيه وسعنا ما وسعهم من الاختلاف ، دون تنازع أو شقاق ، ومثال ذلك الرد المنضبط الدقيق  : إذا حدث خلاف في قضية فقهية فيكفينا أنّ نرجع إلى أقوال المذاهب الأربعة فيسعنا ما وسعهم من الخلاف فيها ولا معنى لحمل الناس على رأي اختلف فيه الشافعي وأحمد ووسعهم الخلاف فيه ثم لا يسعنا ، لا شك أنّ الذي لا يسعه خلافهم متهم في عقله أو دينه أو هو مصاب بمرض نفسي عضال علاجه في مكان معروف بعيدا عن المجتمع الإسلامي ، لنحمي المجتمع من سمومه وسخافاته ، وإذا حدث خلاف في قضية عقدية فالقول فيها ما قالت المدارس المتخصصة الأشعرية أو الماتريدية أو الأثرية ، ولا عبرة لمن خالف تلك المدارس المتخصصة ، وهكذا كل علم له أهله المتخصصون وله مدارسه السنّية المتأصلة العريقة ، فالرد لا يكون لغير أهل الذكر والتخصص وإلا ٌ لكان الامر فوضى ، وقال الناس في دين الله بغير علم ، ولكن الرد يكون لأولي العلم المتخصصين القادرين على الاستنباط ، وليس هناك أدق من مدارس علمية متخصصة عريقة تخرج من خلالها آلاف العلماء المجتهدين الراسخين في العلم ،

[ 5 ] لماذا الحرص على المذهبية الإسلامية : لأنها تمثل احترام التخصص العلمي الضارب في عمق التاريخ الإسلامي ، ولأنها تنمية الاعتزاز  بثوابت الأمة العلمية المتمثلة في المرجعية المذهبية التي ترسخت على مر عصور الإسلام  ، ولأنها المرجعية العلمية فمن أضاع المرجعية فكأنما أضاع بوصلة الطريق ، كما أن هذه المذهبية العلمية التي تحترم التخصص تعددية محمودة ، وهناك فارق بين التعددية المحمودة والطائفية المذمومة ، فإنّ حديث افتراق الأمة إلى بضع وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، لا يتناول مذاهب أهل السنّة والجماعة لأنّها كلها جماعة واحدة تضمها أصول عقدية واحدة ، كما أنّ الاختلاف فيما بينها اختلاف مشروع تعمدت نصوص الشريعة المرنة الواسعة وجوده لأنه اختلاف تنوع وتعدد وسعة ورحمة ، فاختلاف الفقهاء واختلاف الأصوليين واختلاف أهل الطريق فيما بينهم ، اخلاف رحمة وسعة يشمل الاختلاف في مسائل الاجتهاد ، والاختلاف في مناهج السلوك والعبادة ، وتعدد الطرق التي يتخذها الأولياء في توصيل المريدين إلى الله تعالى ، والسواد الأعظم من المسلمين داخلون بحمد الله في عداد هذه الجماعة الناجية ، طالما أنهم متمسكون بالأصول والثوابت الشرعية التي وردت في صريح الكتاب والسنة النبوية لا يضرهم الاختلاف الاجتهادي في الفروع ونحوها ، فإنّ الله تعالى بعلمه وإرادته ، جعل هذه الأمة تنقسم إلى قسمين : أهل السنة ، وهم الجماعة والسواد الأعظم ، يحترمون التخصص ويقبلون التعدد والتنوع ، والقسم الثاني أهل أهواء وبدعة ، وهم من شذ عن سنن الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين ، وميزة أهل السنة أن الخلاف بينهم في الفروع لا يفرق جماعتهم ، بل يعتبرونه من عوامل السعة والمرونة والرحمة والشمول والصلاحية لكل زمان ومكان ، ويجهدون جهدهم على نبذ دواعي الفرقة وتحقيق التآلف والتضامن بين طوائف الأمة ، ولكن أرباب الأهواء ليسوا كذلك ، فهم لا يعرفون الاختلاف ، ولكنهم يعرفون الفرقة والشقاق والتبديع والتضليل والتكفير واستحلال الدماء والأعراض والأموال ،    

[ 6 ] المرجعية العلمية للمسلمين : لابد للمسلمين من مرجعية علمية عند الخلاف ، تفض الخلاف وتقضي على النزاع ، فما اتفق عليه المتخصصون في علم معين تأخذه الأمة ، وما اختلفوا فيه يسع الأمة جمعاء ما وسعهم من الخلاف إذ هم اهل التخصص فيه ، ومن المسلمات في دين الله تعالى أنه لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه ، قال الله تعالى : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [ التوبة : 12  ] ، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء : 83 ] ، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم ، قال تعالى : { وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر : 14 ] ، وقوله تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] ،  إنّ احترام التخصص العلمي والرد إلى المدارس المتخصصة في علوم الإسلام  واجب شرعي ، وطالب العلم السوي العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه ، ومظانه عند أهل التخصص فيه ، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث ، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه ، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة ، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها ، ومن أراد التزكية والتربية ، ووراثة الأحوال والمنازل لجأ إلى علماء التصوف ، وأهله العارفين به ، وهكذا ، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص ، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه ، إنّ دعوى البعض الأخذ المباشر من الكتاب والسنّة دون العروج على أقوال أهل العلم المتخصصين في العلم ، هي دعوى حق ولكن ليست لكل من هب ودب ، إنها دعوى حق في حق من يمتلك أدوات الاجتهاد في مجال تخصصه ، إنّ الشر كل الشر في ان يصبح الإفتاء في الدين كلأً مباحًا لكل من أراد من غير المختصين ، وهل كانت مذاهب أهل السنة والجماعة تستقي إلا من الكتاب والسنّة ، وإنّ دعوى البعض بطلب العلم من ادلة الكتاب والسنة مباشرة دون تقيد بالمذاهب الإسلامية المؤصلة الراسخة في العلم بالكتاب والسنة تنكب عن طريق العلماء وعودة بالعلم إلى الوراء ، وهل سيبلغ في تخصص تلك المذاهب معشار احداها ، ، إننا بهذه الدعوة الجوفاء نهدم مذاهب معروفة متخصصة مؤصلة من أجل بناء مئات المذاهب الغير مؤصلة ، بعدد كل ناعق مذهب ، ويتشدد من أراد التشدد ويتساهل من أراد الترخص ، ويتغول على الامة كل من قرأ عدة آيات وعدة أحاديث يفهمها بفهمه القاصر وجهله المركب ، ولا حسيب عليه ، لقد كان وراء بناء المذاهب العلمية المتخصصة على مر عصور الإسلام ألف حسيب وحسيب ، يضبطون الأقوال ويراجعونها حتى لا يشذ عنها إلا ما لا طاقة للبشر من رده لأنّ الله تعالى كتب العصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأبى العصمة لغيره من علماء الأمة ومجتهديها ، فهيهات من دعاوى الحمقى والسفهاء التي ما جرت على الأمة سوى التنازع والتفرق ، وللأسف في زماننا هذا هناك موتورون كلما اتفقت الأمة على قضية نخروا في أساسها يبغون الخلاف ، وكلما بني العلماء صرحا علميا شامخاً أرادوا تشويه صورته ولا ندري لمصلحة مَن مِن أمة الإسلام يعمل هؤلاء ، فإن زعموا أنّه الانتصار للكتاب والسنّة فهل كان علماء المذاهب السنّية على خلاف مع الكتاب والسنّة ام كانوا على جهل بما في الكتاب والسنّة ، وحاشاهم من ذلك ، أم أنّه حب الظهور وداء الكبر وبطر الحق وغمط الناس ، وغالب هؤلاء تتحكم فيهم أمراض نفسية قاتلة تتمثل في عدم احترام التخصص العلمي ، ومحاولة ضرب المرجعية العلمية التي أكرم الله تعالى أهل السنة والجماعة سواد أهل القبلة الأعظم على مر عصور الإسلام وفي عمق التاريخ العلمي الإسلامي ،  وليس معنى ذلك الزام غير المتمذهبين بالاخذ بقول المذاهب ، ولكننا نطلب منهم عدم تصدير الخلاف إلى أمة الإسلام وعدم استعمال معاول الهدم لشرخ جدران الصرح العلمي والمرجعية العلمية التي بناها العلماء على مر عصور الإسلام ،

[ 7 ] هذه رؤيتنا :  تتمثل في احترام التخصص العلمي واعتماد المرجعية العلمية لعلاج كل عوامل وأسباب الفرقة بين أهل القبلة : إن الحل الأمثل الذي يعالج كافة الخلافات بين أمة الاسلام يتمثل في احترام التخصص العلمي واعتماد المرجعية العلمية للمذاهب السنّية ، ويتم ذلك بارجاع كل مسألة علمية إلى اهلها المتخصصين فيها ، فإن كانت مسألة فقهية فينظر فيها في أقوال المذاهب الفقهية الأربعة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة ، وإذا كانت مسألة عقائدية فينظر فيها في  المذاهب العقائدية الثلاث الأثرية والأشاعرة والماتريدية ، وإذا كانت مسألة تتعلق بالتزكية وأعمال القلوب ومنازل السائرين ومعارف أهل الطريق ، فينظر فيها في أقوال أئمة أهل التصوف الذين جعل الله تعالى لهم قدم صدق في الامة على مر عصورها المباركة ، فهذه هي صروح المرجعية العلمية الراسخة الصافية لسواد أهل القبلة الأعظم على مر عصور الإسلام وفي عمق التاريخ العلمي الإسلامي ، والامة الإسلامية ينبغي ان تكون لها مرجعيتا العلمية ، تأخذ بما اجتمعت عليه تلك المذاهب  – كل في مجال تخصصه – لا تلتفت إلى غيره مما يضيع المرجعية والتخصص ، ويسعها ما وسعهم من الاختلاف في الامور الاجتهادية والفرعيات الدقيقة التي تخضع للوجوه المتعددة والاحتمالات المختلفة ، ولا يصح اعتماد مؤسسة واحدة على أنها البديل لكافة التخصصات العلمية ، – كما يفعل البعض – فهذا من السطحية الفكري والإفلاس العلمي نسال الله تعالى السلامة والهداية ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ، سبحان ربك عما يصفون ،  وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،